|
تحقيق: بيسان يوسف
في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية صعبة، واجواء ملبّدة بغيوم التعطيل، بعد مرور
اشهر عجز خلالها السياسيون عن تأليف حكومة، يواصل معرض المونة والمنتوجات الزراعية
والحرفية «أرضي» نشاطه، للسنة الثالثة على التوالي، كقطار ثابت على سكّته، لا يوقفه
ركود ولا يعطّله تعطيل.
وها هو يصدر طبعته الثالثة، ناشراً بين صفحاتها لوحات رسمتها أيادي الريف اللبناني
بألوان الأرض
يستمر «ارضي»، الذي افتتح مساء الجمعة الماضي في مجمع سيد الشهداء في الضاحية
الجنوبية لبيروت، بتنظيم من مؤسسة جهاد البناء بالتعاون مع مستشفى الرسول الاعظم
التخصصي - مركز بيروت للقلب، حتى الخامس من تشرين الثاني، متزامنا مع موسم التموين
في البيوتات اللبنانية.
ويشارك فيه 188 مزارعاً وحرفياً وتعاونية زراعية، أتوا من كافة المناطق والمحافظات
حاملين سلال منتوجاتهم ليرسموا في قلب الضاحية خارطة لبنان الغذائية والحرفية.
يتولى مجسّم ضخم لقلعة بعلبك وُضع على مدخل المعرض مهمته استقبال الزوار، ويأتي
اختيار القلعة من قبل المنظمين كانطلاقة لسياسية ديكورية جديدة تقضي بعرض نماذج عن
معالم اثرية لبنانية اخرى في المعارض التالية، وفق ما اشار مدير عام مؤسسة «جهاد
البناء» المهندس محمد الحاج.
وشرح الحاج أهداف المعرض الآيلة الى «إيجاد فرصة للتعاونيات الزراعية والحرفية
وصغار المنتجين الزراعيين والحرفيين خاصة النساء منهم لتسويق انتاجهم المتنوع من
جهة، واتاحة الفرصة للمستهلكين، خاصة ربات البيوت، للحصول على المونة السنوية
والمنتوجات الغذائية والحرفية العالية الجودة من جهة مقابلة».
واضاف: «نحن مجرد وسطاء، والمعرض محطة لخلق علاقة بين المنتج والمستهلك على أمل
استمرارها بعد انتهاء العرض»، مشيرا الى اهمية هذا التواصل في تطوير عملية الانتاج
بما يتناسب مع حاجات المستهلكين.
ولا تقتصر الاهداف على تنشيط الحركة الاقتصادية التسويقية للتعاونيات الزراعية
والحرفية وللمزارعين والحرفيين من مختلف القرى والبلدات اللبنانية، انما تتعداه الى
حد خلق اجواء زراعية وقروية من خلال الانشطة المساندة للمعرض يستفيد منها المجتمع،
خاصة الناشئة.
«الشأن الثقافي يعنينا اكثر من البيع والشراء» يقول الحاج لافتا الى نية تثبيت
الناس في ارضها ضمانا لاستقرار القرى، فضلا عن ترسيخ ثقافة الأصالة ومحاكاة زمن
الاجداد بالعودة الى الغذاء الطبيعي والصحي في وجه طغيان مفاهيم الأكل السريع.
واذ اكد الحاج ان عدد الزوار لا يقلّ عن السنوات السابقة، يتوقع معظم المشاركين
حضوراً اكبر مع بدء شهر تشرين الثاني، لا سيما ان الاسعار التشجيعية المعتمدة تجذب
المستهلكين.
ونظراً للنجاح الذي يحققه المعرض سنويا في حياكة شبكة زبائن، يكشف الحاج عن نية
المنظمين «نقله الى مناطق مختلفة، وصولا الى انتقاله خارج لبنان».
بذلك، تتسع دائرة الزبائن لتشمل الجاليات اللبنانية في بلاد الاغتراب التي تفتقد
لهذا النوع من مأكولات «ست البيت».
وفي هذا الاطار، تنظّم دورات تأهيلية كما تتم مراقبة المنتوجات للتأكد من توفّر
معايير الجودة العالية والنوعية التي تتناسب مع أنظمة التصنيع الغذائي العالمي.
والجدير ذكره ان المعارض في المناطق والخارج لن تكون بديلا عن المعرض السنوي في
مجمع سيد الشهدا (ع) فـ «ارضي» ثابت في ارضه والباقي معارض اضافية مشابهة.
في ارجاء المعرض تتوزع المنصات المحملة بـ «مراطبين» المونة القادمة من جباع
والهرمل وزغرتا والجاهلية ومجدلبعنا والنبطية وغيرها من القرى والبلدات اللبنانية.
يستغرب احد المشاركين القادمين من زغرتا سؤالنا عن منتوج خاص بمنطقته ولا يتوفر عند
مشاركين اخرين فيجيب: نحن موحدون في التراث...
ويضيف شارحا موقفه: المونة اللبنانية متشابهة قد تتميز بعض المناطق بمنتج اكثر من
غيرها كالكشك البعلبكي وزيت الكورة ويستدرك ان هناك تحديثا دائما ولكن على صعيد
الجودة والنوعية.
من جهتها تعلن كميليا من المنتدى النسائى الديموقراطي بكل فخر عن نفاذ كمية
«العكوب» عن منصتها مؤكدة عدم وجود هذا المنتج عند غيرها من المشاركين لأن هذه
العشبة يتميز فيها الجبل.
بدورها تؤكد احدى اعضاء اللجنة النسائىة في التيار الوطني الحر مشاركة اللجنة للسنة
الثالثة على التوالي بفعل النتيجة الجيدة التي حصدناها في السنوات السابقة الامر
الذي تدعمه ندى القادمة من الجاهلية قائلة: نسجنا علاقات مع الزبائن في المعرضين
الماضيين، واستمر التواصل بعد انتهاء المعارض حيث كان يطلب منا العديد من
المنتوجات.
اما القسم الحرفي فيطاله التغيير اكثر من قسم المونة حيث عمد العديد من الحرفيين
الى صناعة منتوجات جديدة تتلاءم مع متطلبات المستهلكين في ايامنا هذه وابرزها بيوت
للهاتف النقال مصنوعة يدويا.
في اطار مختلف، تعرض الشابة زينب لوحات زيتية من صنع يدها، واذ توضح انها غير
معروضة للبيع، تشكر المنظمين الذين اتاحوا لها المجال لابراز موهبتها من هذا
المكان، وزينب، التي تضج بالامل والنشاط تؤكد ان لوحاتها هي نتاج موهبة وليس دراسة.
لم تكن الطبعة الثالثة من «ارضي» مستنسخة عما سبقها، انما اتت منقحة بنشاطات تقام
على هامش عملية البيع والشراء، استهدفت عدة فئات ابرزها النساء والطلاب، فضلا عن
السهرات الثقافية والفنية والكشفية.
وتشمل تلك النشاطات دورات تدريبية للنساء على الصناعات الغذائية وندوات عن التغذية
الصحية والعناية بنباتات الزينة والبيئة المنزلية فضلا عن دورة تعليم كروشيه وحياكة
البسط، بغية تعزيز ثقافة الانتاج.
ولم ينس منظمو المعرض فئة الناشئة، فاقاموا دورات حول البيئة ومحميات لبنان
والصناعات الغذائية واشهر المنتجات الغذائية المناطقية لتلاميذ المدارس.
كما ادخلوا لاول مرة فرع «ازهار لبنان» حيث يتم شرح كيفية غرس الشتول والاعتناء بها
للطلاب، فضلا عن البيت القروي الذي يفتح المجال للتعرف على العدة القروية القديمة
كالجاروشة وغيرها.
وفي هذا الاطار، اكد الحاج ان المعرض يستقبل يوميا اكثر من 1500 تلميذ للمشاركة في
الدورات المذكورة والاطلاع على المهن الحرفية اللبنانية.
على صعيد آخر، تتخلل المعرض سهرات فنية وموسيقية، اضافة الى امسيات الشعر والزجل من
وحي التراث اللبناني.
وتخلق تلك الانشطة المسائية جوا من الحركة في ارجاء المعرض.
يغادر الزائر «ارضي» ممتلئا بعبق الارض ورائحة المونة الذكية، كأنه عائد من رحلة
الى القرى اللبنانية كافة، ويتساءل كيف تمكنت تلك التظاهرة التراثية ان تجمع الشمال
والجنوب، مرورا بالهرمل وبعلبك والجبل وصوفر وغيرها من المناطق، في ستة الاف متر
مربع، ففي ظل احجام الدولة عن الاهتمام بقضايا المزارعين الذين يعانون كساد
مواسمهم، حضرت مؤسسات المجتمع المدني بارادة صلبة، لتدعم هذا المشروع الضخم الذي
كان اولى بالوزارات المعنية ان تتبناه وتكون «ام الصبي».
الديار - 01 تشرين الثاني ٢٠٠٩
|